السعيد شنوقة

299

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويفسر الزمخشري قوله عز وجل : وَمَنْ كَفَرَ من الآية : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] وبأنه من ترك الحج وعبر عنه بالكفر تغليظا عليه . قال : « ( ومن كفر ) مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج » « 1 » ، ويستدل على ما ذهب إليه بنص الحديث الشريف بقوله : « ولذلك قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » ونحوه من التغليظ : « من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر » ، ومنها ذكر الاستغناء عنه ، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان « 2 » . فأنت ترى بأنه جعل تارك الحج لمجرّد الترك كافرا فأخرجه بذلك من ربقة الإيمان ومن اسمه ومن حكمه لأنه عدّه غير مؤمن ومخلّدا في النار . ولكن ابن المنير يرد عليه بأن تارك الحج لمجرد الترك قولا واحدا لا يكفر . غير أنه تعين حمل الآية على من ترك الحج وهو جاحد لوجوبه ، وحينئذ يكون الكفر راجعا إلى الاعتقاد لا إلى مجرد الترك « 3 » . وقال الزمخشري في قوله سبحانه : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] « بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين » « 4 » ، وردّ أهل السنة بأن هذه الآية واردة في الكفار ، ولمّا كانوا يعتقدون أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان ، فلا خلاف بينه وبين صاحب الكشاف ، ولا بين المعتزلة وأهل السنة هاهنا « 5 » . وهو يستعين بالقراءات في إقرار بعض أصول مذهبه ؛ لذا قال في تفسير قوله سبحانه : وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [ آل عمران : 178 ] « وقرأ يحيي بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية ( يقصد إنّما ) في قوله تعالى : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [ آل عمران : 175 ] . وفي قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 449 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 449 . ( 3 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 448 . ( 4 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 463 . ( 5 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 463 .